فخر الدين الرازي

256

المطالب العالية من العلم الإلهي

الوجه الثاني في تقرير ذلك : أن العقلاء يعلمون بالضرورة : حسن ذم من أساء إليهم ، ومدح المحسن إليهم . ويعلمون بالضرورة : قبح المدح والذم على كونه طويلا أو قصيرا ، وكون السماء [ فوقه « 1 » ] والأرض تحته . ولولا علمهم الضروري بكون العبد محدثا لأفعاله ، لما علموا بالضرورة حسن مدحه وذمه على أفعاله ، وقبح مدحه وذمه على ما لا يكون واقعا به . لأن العلم بحسن المدح والذم لما كان فرعا على العلم بحدوث ذلك منهم - والعلم بالفرع إذا كان ضروريا ، كان العلم بالأصل أولى أن يكون ضروريا - لزم القطع بأن علم العقلاء بكونهم محدثين لتصرفاتهم : علم ضروري بديهي . ولأجل ظهور هذا العلم عند العقلاء ، حصل هذا العلم للمراهقين . فإن الإنسان إذا رمى المراهق بآجرة ، فإنه يذم الرامي ولا يذم تلك الآجرة . ولولا أنه عالم « 2 » بالضرورة : بأن الرامي فاعل ، وأن الآجرة ما فعلت شيئا ، وإلا لما فرق بينهما من الوجه المذكور . الثالث : إن الواحد منا يجد من نفسه - ومن غيره - إذا طلب فعلا من غيره ، أنه يطلب منه طلب عالم بأنه [ هو « 3 » ] الذي يحدث ذلك الفعل . ولذلك فإنه يتلطف في استدعائه ذلك الفعل منه ، بكل لطف وينهاه عن فعل ما يكرهه ، ويعنفه على فعله ، ويتعجب من فعله ، ويستظرفه ، ويعجب العقلاء في فعله . ويعلل كل ذلك : بأن فعله . وأيضا : فنجد من أنفسنا : الفرق الضروري بين أمره بالقيام والقعود ، وبين أمره بإيجاد السماء والكواكب . ولولا أن العلم الضروري حاصل بكوننا موجدين لأفعالنا ، وإلا لما صح ذلك . قالوا : فهذه الوجوه الثلاثة : منبهة على أن العلم الضروري حاصل بكون العبد موجدا . وهذا غاية تقرير مذهب « أبي الحسين البصري » في هذه المسألة .

--> ( 1 ) من ( ط ) . ( 2 ) علم ( م ) . ( 3 ) سقط ( م ) .